منتدى نقرين الحضارة و التاريخ
مرحبا بك(ي) عزيز(ت)ي الزائر(ة). المرجو منك(ي) أن تعرّف(ي) بنفسك(ي) و تنظم(ي) للمنتدى معنا. إن لم يكن لديك (ي) حساب بعد, نتشرف بدعوتك(ي) لإنشائه



 
الرئيسيةخس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حوار الحضارات: المفهوم و المقومات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
TOUFIK
ع.ج
ع.ج


ذكر عدد الرسائل : 2
العمر : 44
المزاج : متزن

البلــــــــد :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 10426
تاريخ التسجيل : 02/04/2012

مُساهمةموضوع: حوار الحضارات: المفهوم و المقومات   الإثنين 2 أبريل 2012 - 16:04

لعل مما يبعث على التفاؤل أن يلاحظ المرء ما تشهده الساحة العامة من تزايد النشاطات و المؤسسات التي تعنى بتكريس نهج الحوار و السلم في العلاقات الفردية و الجماعية على نحو يؤكد تنامي اعتبار العقل البشري بدروس التاريخ وعبراته و يعكس عزم الإنسان المعاصر على مناهضة تمادي البعض في انتهاج نهج الاستكبار و اللجوء للقوة و الصراع في التعامل مع الآخر . و لا يسع العربي الواعي إلا أن يزداد تفاؤلا و هو يلاحظ الانتقال التدريجي للامة العربية، منذ بعض الوقت، من حالة النزوع للانعزال و الانكفاء و الارتداد- تحت ضغط تنامي مشاعر التوجس من الآخر ونزعة النفور من الجديد و التركيز المخل على هواجس من مثل الغزو الفكري و الاستهداف الثقافي و التآمر السياسي و الطمع الاقتصادي- الى حالة الإقبال على التفاعل مع الآخر و الجديد تفاعلا اتسم عموما ، و إن شابه احيانا شئ من او بعض النزوع للتصادم و الرفض، بالميل للتواصل و التفاعل السلمي و التحاور و الحوار على نحو ينم عن تنامي الثقة بالنفس و يعكس بدء تبلور رؤية اكثر نضجا لمسالة العلاقة بالآخر و الموقف من الجديد.

و إن كان هذا التفاؤل يبدو مهددا بما يواجهه حاليا مسار التفاعل الحواري ومستقبله من تحديات عدة من مثل الانعكاسات السلبية لحركة العولمة، و الإرهاب، و رهاب الإرهاب، وما يصدر عن أطراف مختلفة من تصرفات تحول دون تجزر نهج الحوار، فان الأمل كبير في أن يتمكن حواريّوا الحوار و جمهوره ، من خلال مثل هذه الفعالية التي يقيمها مشكورا مركز الدراسات الاسلامية في جامعة الزيتونة، من التعاون على معالجة تلك التحديات و العمل على بلورة و نشر ثقافة الحوار الكفيلة بتعزيز مسيرة الحوار الصاعدة والحد من احتمالات انتكاستها.

و لعل من بين اهم المسائل التي يتعين أن تعالجها ثقافة الحوار في ما يتعلق بموضوع هذه الندوة أي" حوار الحضارات و التعايش السلمي" تحديد مفهوم حوار الحضارات و بيان أهميته و تحديد مقوماته و متطلباته و دفع ما يلتبس به من شبهات. و تأتى هذه المقاربة إسهاما في ذات الاتجاه

مفهوم حوار الحضارات:

أن مفهوم حوار الحضارات مفهوم مركب من مفهوم مضاف اليه هو الحوار و مفهوم مضاف هو الحضارات. و لعل المفهوم الأساسي هنا هو مفهوم الحوار حيث أن مفهوم حوار الحضارات لا يعدو أن يكون ضربا من ضروب الحوار . و لذلك فان من شأن اتضاح مفهوم الحوار أن يساعد على حسن فهم مفهوم حوار الحضارات.

مفهوم الحوار:

أن جوهر الحوار هو التبادل السلمي للأفكار والآراء والمعلومات. و من حيث الشكل يتم هذا التبادل من خلال التفاعل الكلامي و/ أو التفاعل غير الكلامي.

والمعني بتعبير التفاعل الكلامي هو التفاعل القائم على تبادل الرموز اللغوية سواء كانت ألفاظا او إشارات لغوية وسواء تم التبادل شفاها او كتابة وبطريقة مباشرة او غير مباشرة. و عادة ما يكون القصد من التفاعل الكلامي تبادل الآراء والأفكار والمعلومات بشكل اكثر صراحة ووضوحا، ويمكن تمييز الحوار القائم على هذا النوع من التفاعل باسم "الحوار الكلامي" . ويُعرف الحوار الكلامي باسم الكلام او الحديث او القول او... الخ إذا ما تم التبادل بشكل عفوي و- عادة- غير رسمي، ويُعرف باسم الحوار إذا كان التبادل متعمدا ومنظما و، أحيانا، رسميا. وهذا المعنى الأخير، أي التبادل السلمي المتعمد والمنظم للآراء والمعلومات من خلال الألفاظ اللغوية او،نادرا، من خلال الإشارات اللغوية، هو ما يتبادر الى الذهن عند إطلاق لفظ الحوار. والحوار بهذا المعنى المتبادر يمكن أن يتخذ أسماء وأشكالا خاصة مختلفة منها المفاوضات و المناقشات والمناظرات و المحادثات.

و الأصل في الحوار الكلامي انه تبادل ثنائي الاتجاه بين طرفين- او اكثر- يتناوب كلاهما دور المرسل و المستقبل بأقدار متناسبة او شبه متناسبة و لكن ليست متساوية بالضرورة بل تحتمل الخلل لدرجة ما . أما إذا تفاقم الخلل وبحيث يتحول طرف ما الى مرسل فقط بينما يتحول الآخر الى مستقبل فقط فلا تعد مثل هذه العملية حوارا لافتقارها للتبادل. و على سبيل المثال يصدق على العملية التعليمية وصف الحوار طالما كان المعلم و المتعلم يتبادلان الإرسال و الاستقبال للمادة العلمية( تعليم حواري) ولكن لا يصدق عليه وصف الحوار متى ما اختص المعلم بالإرسال و المتعلم بالاستقبال و تحول التعليم الى "تعليم تلقيني" كما هو السائد حاليا في بلادنا.

و في معناه الأخص ينبغي ان يكون للحوار الكلامي هدف موضوعي معين اي موضوع يراد معالجته . و مع ان مفهوم الحوار ارتبط عند الكثيرين بان يكون موضوعه حل نزاع ما، غالبا نزاع سياسي او اقتصادي او اجتماعي و نادرا نزاع او قضية منطقية او فكرية، لا يتعين أن يكون موضوع الحوار نزاعا او خلافا بل يمكن ان يكون ،و كثيرا ما يكون، موضوعا لا نزاع فيه و لا خلاف عليه كالحوار في مواضيع التعاون و الحوار التعليمي. أما إذا دار الكلام حول هدف غير موضوعي و إنما هدف ذاتي يتعلق بالتأكيد على الذات و فرض مواقفها فهو اقرب الى الجدال- بمعناه السلبي- منه الى الحوار بمعناه الخاص . و بالمثل، اذا لم يكون للكلام المتبادل أصلا هدف غير الترويح فهو يعرف عادة باسم الأنس او الدردشة او...الخ

اما تعبير التفاعل غير الكلامي فيقصد به هنا التفاعل من خلال تبادل غير ما يُعرف بالرموز اللغوية، كتبادل المنافع. فسواء صحبه ام لم يصحبه تبادل للخطاب (الكلام) يتضمن التفاعل غير الكلامي عادة تبادلا غير مباشر لأفكار أو آراء او معلومات و هو ما يمثل كما سبق القول جوهر الحوار. وعلى سبيل المثال فان المنافع المتبادلة، سواء كانت سلعا او خدمات، تعكس او تنقل عادة شيئا ما عن طبيعة وصفات و أحوال مصادرها او أصحابها مما يؤدي الى تكوين او تبادل أطراف التبادل بعض الانطباعات او المعرفة او الآراء والأفكار عن بعضها البعض. وهذا النوع من الحوار القائم على تبادل الاراء والافكار والمعلومات من خلال التفاعل السلمي غير الكلامي يمكن تسميته بـ " الحوار غير الكلامي" .

و الحوار، بمفهومه الموضح انفا، يتنافى مع الصدام و يتناقض معه الا انه لا ينفي الصراع و أن كان يلطفه و يقتضي إدارته بالوسائل السلمية على نحو يجعله اقرب للتنافس منه للاحتراب و الاقتتال.

وبمفهومه العام الواسع والذي يتمحور حول التبادل السلمي، سواء الكلامي او غير الكلامي، لا يعد الحوار باي حال من الاحوال ظاهرة خاصة او مميزة للانسان فقط. و قد يكفي ما تسمح به قدراتنا البشرية من ملاحظته من مختلف اشكال الحوار بين بعض الكائنات غير البشرية لاعتبار الحوار سنة كونية و ظاهرة يومية عامة و إن لم يكن في وسعنا إدراك او ملاحظة بعض و ربما الكثير من اشكالها و مظاهرها. و مما يرجح – منطقيا- كون الحوار سنة كونية انه بينما من المؤكد أن كل الكائنات في هذا الكون تحتاج الى بعضها البعض، اذ لا شيء في هذا الكون يقوم او مكتف بذاته، لا سبيل الى أن تحصل هذه الكائنات على احتياجاتها او جزء منها من بعضها البعض إلا عن طريق التبادل الذي هو- طالما جرى سلميا- أساس الحوار وآليّته.

و من غير العسير ملاحظة أن الله قد خلق البشر و بعض، وربما كل، مخلوقاته منذ البدء مهيئين للحوار حيث زودهم، وإن بدرجات وأشكال مختلفة، بالمتطلبات الأولية لعملية الحوار وفي مقدمتها القدرات و الأجهزة العضوية الصوتية و السمعية والذهنية والتي لولاها ربما تعذر الحوار الكلامي.

و يتم الحوار في هذا الوجود عادة بين أطراف لها وجودها الخاص كالبشر و – مبلغ علمي- لا يتم بين أطراف رمزية كالأديان و الثقافات او اعتبارية كالمؤسسات إلا من خلال أصحابها او اتباعها. و من الواضح انه بينما لا يتوقع أن يتم الحوار الكلامي بين طرفين لا تجمع بينهما لغة مشتركة/ مفهومة فان الحوار غير الكلامي يمكن أن يتم بين من تجمع بينهم لغات مشتركة و من لا تجمع بينهم لغة مشتركة كالإنسان و الحيوانات.

و من بين الأطراف المحتملة للحوار : الحضارات والتي يٌعرف الحوار بينها بالحوار بين الحضارات او حوار الحضارات

حوار الحضارات:

بناء على ما تمهد عن مفهوم الحوار يمكن القول ان المفهوم العام لحوار الحضارات هو ذلك الحوار الذي يتم بين الحضارات بتوسط المنتمين اليها سواء على المستوى الفردي او الجماعي، والشعبي او الرسمي، وسواء كان حوارا كلاميا ام حوارا غير كلامي، و منظما كان او غير منظم، و في أي مجال كان وذلك لهدف موضوعي . اما بمعناه المتبادر و الشائع فان حوار الحضارات يقصد به الحوار الكلامي المنظم بين اتباع الحضارات لهدف موضوعي.

و لمزيد من التوضيح يمكن ان نورد النقاط التالية :

I. إن نسب الحوار الى الحضارات إنما هو من قبيل المجاز اللغوي لان الحضارات ككيانات رمزية او معنوية لا تتحاور او تتصادم بذاتها و انما تتحاور او تتصارع او تتصادم من خلال عناصرها البشرية اي من خلال أصحابها المنتمين اليها .

II. الانتماء لحضارة ما شعور ذاتي بالارتباط بتلك الحضارة يولّد لدى المنتمي دافعا، قد يكون ضعيفا او قويا، للتمسك بها و رغبة ما في إنمائها و تطويرها و نشرها. و اشتراط تعدد الانتماء الحضاري لأطراف حوار الحضارات ينفي إمكانية إطلاق وصف حوار الحضارات على الحوار الذي يتم بين أبناء حضارة واحدة حتى ولو كان هذا الحوار عن الحضارات او عن حوار الحضارات و كان أطرافها من علماء الحضارات. و بما أن الانتماء لا يعني بالضرورة التمثيل، إذ أن كل حضارة هي من التشعب و التنوع الداخلي بحيث يتعذر القول بان منتمين معينين لحضارة ما يمثلونها تمثيلا دقيقا و شاملا، كما انه ليس بالضرورة أن يكون كل من قد يٌعتبر – حقا او باطلا - ممثلا لحضارة ما منتميا إليها فان شرط حوار الحضارات هو ، في ما نرى، الانتماء و ليس التمثيل.

III. المعني بالحضارات في المفهوم المذكور يتحدد عمليا بالحضارات البشرية على كوكب الأرض. ومع انه ليس في الإمكان نفي احتمال وجود حضارات أخرى غير بشرية على كوكب الأرض او حضارات بشرية على غير كوكب الأرض الا أنه لم يتيسر بعد، في ما نعلم، اتصال عملي ثنائي الاتجاه يسمح بقيام حوار كلامي بين الحضارة البشرية على كوكب الأرض و تلك الحضارات . ولا يقدح في ذلك ما يكون قد حدث او قد يحدث من بعض حالات التواصل الفردي الثنائي الاتجاه بين الحضارة البشرية والحضارات الأخرى كما يروى مثلا عن النبي سليمان او ما يروى، و العهدة على الرواة، عن حالات الأطباق الطائرة. اما نظريا فان المعني بالحضارات يتسع ليشمل الحضارات الأخرى المشار اليها. و ربما أمكن مستقبلا اتساع حوار الحضارات ليشمل عمليا تلك الحضارات.

IV. تختلف التعريفات المتداولة للحضارة اتساعا و انكماشا او عمومية و خصوصية . ولعل من ضمن أوراق هذه الندوة ما قد يختص بتناول المفاهيم المختلفة للحضارة الأمر الذي يجعلنا نقتصر هنا على القول بان مفهوم حوار الحضارات يقوم على المعنى العام للحضارة و الذي يحدد الحضارة بذلك الكل الجامع لمختلف جوانب الوجود الخاص بصاحبها- الإنسان في هذه الحالة – سواء كنوع او كمجموعات معينة. وتشمل هذه الجوانب ، في ما تشمل، الثقافة والفكر والفلسفة والمعتقدات او الدين والقيم والفنون كما تشمل التقاليد والعادات والسلوك و النظم التربوية و السياسية و القانونية والاقتصادية والمنتجات سواء الأدبية/ المعنوية او المادية و..الخ. و بموجب هذا المفهوم الواسع للحضارة يتسع مدلول حوار الحضارات ليشمل كل حوار بين الحضارات و في أي جانب من جوانب الحضارة ، و هو ما يعني أن ما يجعل حوارا ما حوارا بين الحضارات ليس هو مجاله او موضوعه بقدر ما هو تعدد أطرافه من حيث الانتماء الحضاري . ومن ثم فان ما يعرف بـ حوار الثقافات وحوار اللغات و حوار الاديان و ... الخ يندرج ضمن الحوار بين الحضارات طالما كانت أطرافه تنتمي لحضارات مختلفة . وبالمثل فان حوارات المؤتمرات والمنظمات الدولية تعد حوارات بين الحضارات سواء كان موضوع الحوار شانا اقتصاديا او سياسيا او اجتماعيا او أخلاقيا وسواء كان الموضوع مثار خلاف بين المجموعات الحضارية كبعض المواضيع المتعلقة بالأسرة والمرأة وحقوق الانسان و الاستنساخ البشري او كان محل إجماع دولي كسائر المواضيع المجمع عليها في الاتفاقيات الدولية .

V. تختلف الحضارات منن حيث درجة التطور، اذ منها المتطورة و منها المتخلفة او البدائية، كما أن الحضارات عادة ما تمر بمراحل مختلفة من الازدهار و التطور و النشاط والانكماش و التراجع و الكمون . وقد جرت العادة اللغوية على إطلاق وصف الحضارة على المتطورة والناشطة منها دون ما كان منها متخلفة وغير ناشطة بينما غالبا ما يتم تحديد درجات التطور و التخلف على أساس جوانب الحضارة او مظاهرها المادية كالمكونات الاقتصادية و التقنية و السياسية( القوة) و العمرانية و ليس على أساس جوانبها الروحية و الخلقية. و قد أعطى ذلك انطباعا غير دقيق بان الحضارات غير الناشطة، خاصة في الجانب المادي، لا تعد حضارات قائمة او حضارات لها وجود و أن المجموعة الحضارية التي تفقد حضارتها مظاهر التطور المشار اليها تعد مجموعة بدون حضارة و إن احتفظت بالقدر الأكبر من المكونات الثقافية المتطورة لتلك الحضارة. و قد دفع كل ذلك البعض الى الاعتقاد بانه لا توجد في الوقت الحالي على كوكب الأرض سوى حضارة واحدة هي الحضارة الغربية – الأمريكية ونفوا-او كادوا- بناء على ذلك إمكانية قيام حوار بين الحضارات. و من الواضح أن هذا الموقف يعكس تأثرا بالاستعمالات الدارجة للمفاهيم و تضييقا لا مبرر له لمفهوم الحضارة, كما انه ينطوي على خلل في إدراك المعني بحوار الحضارات و الذي سبق التوضيح بانه يقوم بين المنتمين للحضارات و ليس بالضرورة مؤسسيها او رموزها في مرحلة ازدهارها . و يتشابه هذا الموقف في كثير من نواحيه مع موقف من قد يدفعه ما جرت به العادة اللغوية من إطلاق لفظ المثقفين على فئة معينة من فئات المجتمع - تقديرا لتميزها بالعمق الثقافي- الى الاستنتاج او الاعتقاد بان باقي فئات المجتمع لا ثقافة لها و – بالتالي – لا يمكن قيام حوار ثقافي بينها او معها !!.

VI. لا شك في أهمية و ضرورة الحوار الكلامي بين الحضارات وخاصة لبعض مقاصد الحوار كالتعارف و إزالة سوء الفهم وتصحيح التصورات الخاطئة للآخر وغير ذلك مما تمس إليه الحاجة في مثل الظروف السائدة اليوم، إلا أن من الخطأ البين حصر مفهوم حوار الحضارات في هذا المعني فقط لما يعنيه ذلك من حصر حوار الحضارات في الجانب الخطابي النظري فقط ولما فيه من إسقاط غير مبرر لكثير من اوجه التفاعل العملي الحواري بين الحضارات من مفهوم حوار الحضارات مع أن هذه الأوجه لا تقل عن الحوار الخطابي المنظم أهمية وخاصة من حيث التأثير العملي الإيجابي وتحقيق مقاصد الحوار العملية و تكريس وتعظيم التفاعل السلمي الإيجابي من خلال تعزيز ترابط وتشابك المصالح بين الحضارات. و الواقع أن اختزال او حصر الدعوة الحالية للحوار بين الحضارات في الحوار الخطابي فقط سيكون اتجاها خاطئا وقد ينتهي الى إجهاض الدعوة لما فيه من سلب الدعوة مقومات فعاليتها و استمرارها. ومن هنا كان تأكيد المفهوم على المعنى الشمولي لحوار الحضارات والذي يتسع لكل أشكال و أنواع الحوار الكلامي و الحوار غير الكلامي.

وبمفهومه الشامل، مثّل الحوار بين الحضارات ملمحا ممتدا عبر التاريخ البشري ، حيث يفيد التاريخ انه كان هناك دائما قدر من الحوار بين الحضارات البشرية سواء المتعاقبة او المتزامنة. ويشهد للوجود التاريخي لهذا الحوار و يؤكده ما نتج عنه من انتقال وتراكم الخبرة البشرية عبر سلسلة الحضارات البشرية المتعاقبة كما يدل على وجود ه ماضيا وحاضرا الانتشار الأفقي للخبرة البشرية، وان بأقدار متفاوتة، في سائر الحضارات البشرية القائمة اليوم على كوكب الارض . و من الواضح انه لو لم يكن ما كان من الحوار- الرأسي - بين الحضارات المتعاقبة لتعذر تراكم الخبرة او المعرفة البشرية على النحو الذي حدث و لربما تعين على سائر الحضارات المتعاقبة أن تبدأ من الصفر تقريبا، ولو لم يكن ما هو قائم من الحوار – الأفقي- بين الحضارات المتزامنة لما كانت على ما هي عليه من تشابه واستفادة من بعضها البعض..

وقد سجل لنا التاريخ بعض التفاعلات الحوارية بما فيها الحوار الكلامي بين عناصر من الحضارات السابقة و خاصة ما تقارب منها زمانيا ومكانيا. واستطاعت الدراسات التاريخية أن تتعقب بعض العناصر او المكونات التي انتقلت من حضارة الى اخرى وان تحلل بعض الحضارات الى جذورها الممتدة داخل حضارات اخرى.

و من الواضح أن الحوار بين الحضارات تنامى حجما و نوعا عبر التاريخ و لعله الآن افضل مما كان عليه في أي وقت مضى

و بالتأكيد فان بيان ما كان بين الحضارات من حوار لا يعني نفي او التقليل من ما كان بينها من صراع وصدام وصل أحيانا درجة الاقتتال المسلح بين بعض الفئات أو المجموعات الحضارية المتباينة. وفي الواقع ، مهما كان الصدام بين الحضارات أمرا مذموما ومبغضا وكيفما كان التناقض بينه وبين الحوار إلا أنه يبدو أن بعض حالات الصدام لم تخل من بعض الآثار الإيجابية على تيسير او توسيع نطاق بعض حالات الحوار بين الحضارات إن لم يكن بسبب ما هيأته من مزيد من فرص التفاعل فبسبب ما كشفت للناس عيانا من خطورة الصدام و مآسيه البالغة و، بالتالي، تنبيهها لهم الى ضرورة استبدال الحوار بالصراع و الى ، كما تشهد هذه الندوة و مثيلاتها، أهمية الحوار بين الحضارات.

أهمية الحوار بين الحضارات:

يشير التوضيح الآنف لدور حوار الحضارات في انتقال و تراكم و انتشار المعرفة البشرية و الخبرة الحضارية الى بعض اهمية حوار الحضارات

و يفيد الاستقراء العقلي أن الأوضاع او البدائل المحتملة للعلاقات بين الحضارات لا تتعدى ثلاث احتمالات او بدائل هى السلبية/ الانعزالية بمعنى كف او امتناع الحضارات او بعضها عن إقامة اى علاقات مع بعضها البعض ، و التصارع بمعنى انتهاج الحضارات او بعضها علاقات تقوم على الصراع والتصادم والاقتتال ، والحوار بمعنى انتهاج الحضارات او بعضها في علاقاتها البينية نهج الحوار بمعناه الواسع الموضح سابقا. ولا يحتاج العقل البشري سوى قليل من التأمل في التكلفة او الخسارة التي تترتب حتما على اختيار أي من بديلي السلبية و التصارع، والكسب او الربح الذي يحققه بديل الحوار ليتبين من أن الحوار بين الحضارات ضرورة ليس بوسع البشرية الاستغناء عنها طالما انه ليس في وسعها الاستغناء عن التعاون و الذي هو شكل من أشكال الحوار- بمفهومه العام- و ثمرة من ثماره.

واذا كان من الواضح أن الحوار بين الحضارات كان عبر التاريخ البشري ، وسيظل حاضرا ومستقبلا، امرا مهما بل ضروريا فان هنالك من المستجدات والعوامل ما يجعل الحوار بين الحضارات اليوم اكثر اهمية وضرورة للجنس البشري اكثر من اى وقت مضى . ومن هذه المستجدات والعوامل :

1- أدت التطورات التكنولوجية الهائلة التي شهدها العالم مؤخرا الى تقليل المسافات المكانية و إضعاف القيود الاجتماعية/ القانونية التي تحد من التواصل بين الحضارات بشكل ادى الى تسهيل وزيادة حجم الانتقال والتداخل( هجرة و عملا وسياحة) بين مجموعاتها وزيادة سرعة وحجم انتقال المعلومات والأخبار بينها . وقد نتجت عن مجمل ذلك- في ظل غلبة الطابع السلبي على مضامين المعلومات والأخبار المنتقلة عبر الحضارات و شيوع درجات مختلفة من التوتر في العلاقات بين الجماعات الوافدة و المحلية - زيادة وعي المجموعات الحضارية بالاختلافات في ما بينها. وزيادة الوعي بالاختلافات يكون عادة مدعاة للنفور و يتفضل احيانا الى النزاع والصراع والصدام ما لم تتم معالجة تلك الاختلافات وبيان إيجابياتها و اهمية النظر اليها كمصادر تنوع و إثراء للخبرة البشرية و ليس كمبررات للاستخفاف او اسباب للنفور والصدام و هو ما لا يمكن أن يتم بدون تشجيع التحاور و تكريس ثقافة الحوار.

من جانب آخر تمخض التطور التكنولوجي عن امتلاك بعض الحضارات او بعض عناصرها اليوم قدرات أعلى، بما لا يقاس بقدراتها في أي وقت مضي، على إلحاق تدمير شامل وإبادة واسعة ببعضها البعض . وما لم يتم تكثيف الحوار بين الحضارات ستزداد حتما احتمالات نشوء حالات سوء التفاهم بين الحضارات مما قد يدفع بعضها الى استخدام قدراتها التدميرية و إساءة استخدام الفتوحات العلمية الأخيرة في مجالات من مثل الهندسة الوراثية و الذكاء الاصطناعي في استباق الصراعات الحضارية او العرقية المحتملة .

2- تشير الدراسات الى انه نتيجة لعوامل عدة ربما اهمها تزايد وتيرة العولمة اصبحت الحضارات اكثر عرضة للزوال . وتكشف بعض الاحصاءات ذات الصلة أن حوالي 25 لغة تندثر كل عام وان نصف لغات العالم المحلية في طريقها الى الزوال. ومعلوم انه مع زوال اللغات تضمحل ثقافات اهلها وقد تزول تماما و مع زوال اللغات والثقافات لابد أن الحضارات المعنية ستكون اكثر عرضة للزوال . وتفيد متابعة ردود الأفعال بهذا الصدد أن احتمال تأثر اللغات والثقافات بتسارع وتيرة العولمة – على النمط الامريكي- اصبح هما يؤرق ليس فقط أصحاب اللغات والثقافات المحلية بل ايضا حتي أصحاب لغات وثقافات حققت قدرا كبيرا من الانتشار العالمي من مثل الفرنسية . و تتمثل اهمية الحوار بين الحضارات بهذا الصدد في أن هذا الحوار وان كان من غير المرجح أن يتمكن من أن يوقف تماما زوال اللغات والثقافات الا أنه بالتأكيد يمكن أن يساهم في الحد من الآثار السلبية لمثل هذا الزوال على مجمل الحضارة البشرية .

3- أن استمرار التوترات والنزاعات المسلحة في التخوم المشتركة للحضارات وبين الأطراف ذات الانتماءات الثقافية او الدينية او الطائفية المختلفة داخل المجوعات الحضارية وتزايد الكراهية والإجراءات المضادة والعنف ضد جاليات و اتباع او مصالح الحضارات الأخرى ابرز بوضوح دور العامل الثقافي/ الحضاري في الصراعات و شجع نظريات و دعوات وربما استراتيجيات غير معلنة للصراع بين الحضارات و أغرى قيادة الحضارة السائدة في الساحة الدولية باللجوء الى اجراءات استباقية غير مبررة تثير اتباع الحضارات الاخرى بل وبعض اتباع الحضارة السائدة نفسها و أتاح المزيد من الظروف الملائمة لظهور و تنامي الجماعات المتطرفة التي تنشر ثقافة العداء و تغذي مشاعر الكراهية للاخر الحضاري . والشواهد على كل ذلك معلومة وكثير منها ماثلة للعيان. و في ظل ما ثبت من فشل استخدام القوة في معالجة الاشكالات ذات الجذور الثقافية سواء في الماضي او في الحاضر لا يبقى هناك امل في الخروج من هذا الوضع المنذر بالتفاقم بدون تعزيز حوار الحضارات و تكريس ثقافة الحوار.

واذ تؤكد مجمل المستجدات والعوامل السابقة تنامي الحاجة الى الحوار بين الحضارات وضرورة تحمل كل المجموعات الحضارية مسئولية العمل على تكريس نهج الحوار ، فان من الواضح أن تلك الحاجة و هذه المسئولية تتفاوتان إلحاحا ولزوما من مجموعة حضارية الى اخرى . و لا شك أن المسئولية الكبرى عن تعزيز نهج الحوار بين الحضارات تقع على عاتق المجموعة الحضارية الغربية بحكم كونها الحضارة السائدة و بالتالي الأقدر- خاصة ماديا- على تحقيق او منع ذلك إلا أن عوامل عديدة تجعل من حاجة المجوعة الحضارية الاسلامية لإشاعة نهج الحوار الأكثر إلحاحا و تجعل من مسئولياتها عن تكريس ذات النهج الاكثر لزوما مقارنة بالمجموعات الحضارية الاخرى.

وكون المجموعة الحضارية الاسلامية الاكثر احتياجا لحوار الحضارات يعود الى مجموعة من الاسباب التي يمكن أن نذكر منها هنا :

1- المجموعة الحضارية الاسلامية تعد طرفا في الجزء الاكبر من التوترات والنزاعات واعمال العنف المشار اليها سابقا، ولعلها الاكثر استهدافا بالنظريات الصراعية والتصريحات العدائية الصادرة عن المجموعة الحضارية الغربية، و تعد دولها الان الاكثر عرضة للاجراءات العسكرية و العقابية، كما أن دينها و ثقافتها هما الأكثر عرضة للانتقاد و احيانا التشويه. و من المؤكد أن من شأن حسن توظيف حوار الحضارات أن يتيح للمجموعة الحضارية الإسلامية فرصا أوسع لمعالجة الجذور و الابعاد الثقافية للحملة التي تواجهها.

2 – المجموعة الحضارية الاسلامية هي غالبا الطرف الاضعف من حيث موازين القوة العسكرية في النزاعات المسلحة التى هي او بعض عناصرها طرف فيها وهو ما يعني أن حاجة المجموعة الحضارية الاسلامية لمعالجة تلك النزاعات بغير طريق القوة المسلحة أي طريق الحوار اكبر من حاجة الطرف الاخر، اذ ان ما يناسب الطرف الاضعف في النزاعات المسلحة غالبا هو استراتيجية الحوار بينما قد يتساوى عند الطرف الأقوى كل من استراتيجيتي الحوار و الصدام . اما اذا كان الطرف الاقوى طرفا ظالما – كما هو الواقع غالبا- فانه يصبح الطرف الأضعف في أي حوار موضوعي جاد يعرف الطرف المظلوم كيف يحسن توظيفه لان القوة في الحوار الموضوعي تدور مع الحق. و لعل ذلك يفسر لنا لماذا الطرف الظالم يميل دائما الى تجنب أي حوار موضوعي

3- ضعف المجموعة الحضارية الاسلامية لا يقتصر على الجانب العسكري فقط بل يمتد الى مختلف الجوانب الاقتصادية و العلمية و التقنية و الاعلامية . و في وضع كهذا فان مصدر القوة الوحيد المتاح للمجموعة الحضارية الاسلامية على الاقل في المدى القريب للقيام بدور يحفظ لها بعض مصالحها الدولية وحقها في الإسهام في تشكيل المتغيرات الدولية الجارية كالعولمة بما يقلل من أضرارها عليها مستقبلا هو التمسك بالحوار الدولي و حوار الحضارات و العمل على حسن توظيفهما.

اما كون مسئولية المجموعة الحضارية الاسلامية عن تكريس نهج الحوار في العلاقات الحضارية والعلاقات الدولية عموما هى الاكثر لزوما و و جوبا فيعود اساسا الى كون المرجعية الحضارية – الشرع الاسلامي- للمجموعة الحضارية الاسلامية تلزمها وتوجب عليها صراحة الالتزام بنهج الحوار والسلم في علاقاتها الخارجية . وصحيح أن من المرجعيات الاخرى ما ينص ايضا على الالتزام بنهج الحوار الا أنه لا يبدو – في ما نلاحظ - ان هذه المرجعيات تتمتع لدى جمهور اتباعها بذات القداسة والحضور الفاعل و، من ثم، القوة التى تتمتع بها مرجعية الحضارة الاسلامية لدى جمهور اتباعها . ولا يقدح في ما سلف من القول وجود اتجاهات تراثية او معاصرة و كذا جماعات داخل المجموعة الحضارية الاسلامية قد لا تتفق تماما مع القول بلزوم نهج الحوار شرعا للمجموعة الحضارية الاسلامية، اولا، لكون قراءة هذه الاتجاهات و الجماعات للمرجعية الاسلامية في هذا الشأن تعكس ، في ما نقدّر، التأثر بالواقع الدولي القائم حاليا او الذي كان قائما في الماضي اكثر من التلقي المستقل و الفهم النصي- المقاصدي لنصوص الشرع ذات الصلة و، ثانيا، لكون هذه الاتجاهات لا تمثل التيار العام داخل المجموعة.

مقومات و متطلبات حوار الحضارات:

مهما كانت اهمية الحوار بين الحضارات و ضرورته و ايا كانت الدواعي القائمة لتعزيزه اكثر و كيفما تباينت او تماثلت مسئوليات المجموعات الحضارية عن ذلك فان من المؤكد أن تعزيز الحوار بين الحضارات، بمفهومه المبين انفا، لن يتحقق على النحو المرغوب لمجرد اهميته او توافر دواعيه والرغبة فيه او تمنيه من قبل قطاعات من المثقفين والمفكرين و السياسيين و إنما لابد لذلك من توافر بعض المقومات و المتطلبات الاساسية والتي في ظل، وبقدر، توافرها يمكن تعزيز حوار الحضارات و استكمال جوانب قصوره حتي يتمكن و يصبح الحوار هو الأصل في واقع العلاقات الحضارية و الدولية عموما.

و من شأن التأمل في ما تمهد عن مفهوم الحوار و حوار الحضارات أن يساعد في تحديد المقومات و المتطلبات الاساسية لقيام حوار الحضارات و تامين استمراره و فعاليته. و بعض هذه المقومات و المتطلبات هي ضرورية للحوار مطلقا بينما البعض الاخر ضرورية للحوار الذي تتعدد الخلفيات الحضارية او الثقافية او الدينية لأطرافه كما هو الحال في حوار الحضارات. و تتمثل المقومات و المتطلبات الأساسية لحوار الحضارات في:

I. الإيمان بالحوار:

من الواضح انه ما لم يتوافر الإيمان بالحوار كنهج أساسي سليم وفعال للعلاقة مع الاخر من غير المتوقع أن يشكل الحوار اساس العلاقات الانسانية و الاصل فيها. و الايمان بالحوار عنصر اساسي ليس فقط في تأمين الرغبة في الحوار و التي لابد منها لقيام الحوار و انما ايضا في تحديد نوعيته. فالحوار القائم على ايمان اطرافه بالحوار يعد حوارا طوعيا تقبل عليه اطرافه بمحض إراداتها مما يجعلها حوارا ايجابيا و فاعلا. اما الحوار الذي تضطر اليه اطرافه او بعض اطرافه فيظل في الغالب حوارا متعثرا غير فعال و ان توصل الى بعض النتائج و الحلول الموضوعية غالبا ما تكون هذه النتائج غير حاسمة و غير مرضية و بالتالي مؤقتة و محدودة الفائدة. و لعل أهم فائدة محتملة للحوار الاضطراري هو ما قد ترافقه من ظروف و أجواء مناسبة قد تساعد أطرافه على التغلب على الحواجز النفسية التي تحول دون الحوار كما قد تساعدها على اكتشاف إمكانية و أهمية و فائدة الحوار مع بعضها البعض مما قد يولد الايمان بالحوار و، بالتالي، يفضي الى تحول الحوار الاضطراري الى حوار طوعي.

و لعل الإشكال الاساسي حاليا في ما يتعلق بالايمان بالحوار ليس هو غيابمبدأ او اصل الايمان بالحوار بقدر ما هو الميل الملحوظ لتضييق دائرة الحوار اطرافا و موضوعا . فالبشر عادة ما يتمتعون بقدر من الايمان بالحوار، و لعل هذا القدر قد تزايد عموما مع تطور البشر و تراكم خبراتهم المعرفية و التجريبية عبر تاريخهم الطويل، بيد أن البشر يميلون في الغالب الى حصر ايمانهم بالحوار في الحوار ضمن الدوائر الجماعية الأدنى و التي يكون افرادها الاقرب و الاكثر تماثلا وودا معهم مثل دوائر جماعة الاصدقاء او التنظيم الحزبي او الطائفة الدينية و يرهنون إقدامهم على الحوار في موضوع ما بالتوقع العالي لتحقيق الحوار لما يريدونه ويشتهونه في ما يتعلق بهذا الموضوع. و كلما اتسعت الدائرة و قل بالتالي التماثل مع افرادها و زادت عناصر الاختلاف و الخلاف او كلما قل توقع تمخض الحوار عن تحقيق المطامع الشخصية قلّ الإقبال على الحوار او التمسك به. و لان المجموعات او الدوائر الحضارية من اقل الدوائر تماثلا حيث تزداد اوجه الاختلاف ما بين المجموعات الحضارية لتشمل عناصر اساسية و احيانا حساسة كالدين و الثقافة و لان الحوار بين الحضارات يفترض فيها أن تمتد لمواضيع عادة ما يمانع الكثيرون أن تكون محل حوار كالمعتقدات و القيم وغيرها مما تعد عندهم من الخصوصيات فان الايمان بالحوار يميل عند الكثيرين لان يضعف و ربما ينحسر تماما عندما يتعلق الامر بحوار الحضارات .

و لعل من الامور الواضحة ان اشكاليات الايمان بحوار الحضارات تعود اساسا الى وجود تصورات و مفاهيم ثقافية خاطئة. و بقدر ما يؤكد ذلك ضعف اواختلال ثقافة الحوار يغدو واضحا أن المقاربة السليمة لتلك الإشكاليات لن تتسنى بدون بلورة و تطوير و ترشيد و نشر ثقافة الحوار المستمدة من، و المتوافقة مع، المضامين الايجابية في الموروثات الثقافية و النصوص الدينية المقدسة لمختلف المجوعات الحضارية. و لاهمية دور ثقافة الحوار في تعزيز و تكريس الايمان بالحوار يتعين أن تأتي مهمة بلورة و تأصيل و نشر ثقافة الحوار في مقدمة اهتمامات و مهام المؤسسات الناشطة في مجال الحوار بين الحضارات.

II. امكانية التواصل بين المجموعات الحضارية:

من الواضح انه مهما توافر لدى المجموعات الحضارية الايمان بالحوار تظل ترجمة هذا الايمان الى واقع عملي رهنا بفرص و امكانيات التواصل بين هذه المجموعات. و العوائق المحتملة امام التواصل بين المجموعات الحضارية تكون اما عوائق طبيعية كبعد المسافة او عوائق اجتماعية كالقوانين التي تمنع التواصل او تحد منه. وصحيح أن التطور التقني قد قلل كثيرا من اثر العوائق الطبيعية و حد من فعالية العوائق الاجتماعية الا انه لم يلغ تلك العوائق تماما كما أن مدى الاستفادة من التطور التقني يتوقف على إمكانيات لا تتوافر بشكل كاف لسائر المجموعات الحضارية و حتى اذا ما توفرت لبعضها الإمكانيات المادية فان القيود التي تفرض على انتقال التقنية العالية من قبل أصحابها يمكن أن تعوق وصول بعض المجموعات الى تلك التقنية.

III. الاتفاق على مرجعية الحوار:

من المؤكد انه لا يستقيم أي حوار بين طرفين أو اكثر لا يستند إلى مرجعية معينة يكفل الاستناد إلى مسلماتها حسم الخلافات و ضبط الحوار وتوجيهه الوجهة الصحيحة . ويفترض أن لا تثور مسألة المرجعية أو يتعسر الا تفاق عليها إذا ما كان أطراف الحوار ينتمون إلى مرجعية واحدة لا خلاف على مسلماتها أو أسسها كما هو الحال غالبا في الحوار داخل حضارة او ثقافة او دين معين . أما إذا تباينت المرجعيات الأساسية لأطراف الحوار كما هو الحال في الحوار بين الحضارات و التي غالبا ما تتباين و تختلف مرجعياتها الاساسية يغدو لازما اتفاق هذه الأطراف على مرجعية معينة تتبادل الآراء في ضوئها و تحتكم إليها في حسم الخلافات . ومن الواضح أن المرجعية الأنسب و ربما الوحيدة التي يمكن الاتفاق عليها كمرجعية حاكمة في حالة الحوار بين الحضارات هي مرجعية العقل أو المنطق البشري وذلك باعتبار أن العقل يمثل القدر المشترك ، وان كان بدرجات متفاوتة، بين سائر المرجعيات التي تحتكم إليها مختلف المجموعات الحضارية.

ولا ينبغي أن يجد المسلم حرجا أو صعوبة في قبول مرجعية العقل البشري في الحوار مع الآخر غير المسلم ، إذ ليس في مثل هذا القبول تعارض مع ما يتعين على المسلم التسليم به من حاكمية البيان الشرعي ومرجعيته . فالبيان الشرعي نفسه يقر ويؤكد أن العقل البشرى يمثل أصلا من أصول المرجعية الشرعية ويتيح بل يدعو إلى الاحتكام أليه في النطاق المحدد له ، وهو نطاق واسع يشتمل بالضرورة على الحوار مع غير المسلم ويمتد بالتالي إلى مختلف المواضيع المحتملة للحوار بين الحضارات . والواقع أن العقل هو المرجعية التي ارتضاها الله للحوار الإلهي- البشري حيث أن كافة الرسالات السماوية جاءت تخاطب العقل البشري وتعتبر العقل أساس الخطاب أو التكليف الشرعي و، لذلك، رفعت التكليف او الحساب عن من فقد عقله أو لم يكتمل عقله بعد . وتكريسا للاحترام للعقل وتشجيعا للبشر على الاحتكام إليه امتنعت رسالة الإسلام عن ما درجت عليه الرسالات السماوية السابقة من الاستجابة لدعوات أو طلبات اجتراح المعجزات التي تبهر العقل اكثر مما تقنعه كشرط للأيمان . ولا يسع قارئ القران إلا أن يلاحظ أن الخطاب الشرعي وخاصة ما كان منه موجها لغير المسلم يعتمد في الإقناع أساسا على الحجج العقلية والبراهين المنطقية .

IV. توافر المصداقية العملية :

ونعني بالمصداقية العملية التزام اطراف الحوار عمليا بقبول والبناء على ما قد يتكشف لهم من حقائق او حق ، لهم او عليهم، اثناء الحوار و التنفيذ العملي لما يتم الاتفاق عليه بين اطراف الحوار . و يعد اقتناع أطراف الحوار بتوافر حد أدنى من المصداقية العملية لدى الطرف الآخر أمرا أساسيا لاستمرار الحوار بحيث تتاح فرصة اكبر للتغلب على الخلافات وتحقيق النجاح . وفي غياب مثل هذا الاقتناع غالبا ما تقل الرغبة ليس فقط في مواصلة الحوار و إنما حتى في مجرد بدء الحوار وهو ما يترتب عنه ما يعرف بأزمة الثقة والتي تشكل أحد أهم العوائق المحتملة للحوار.

تلكم هي- في ما نقدر- المقومات و المتطلبات الاساسية للحوار بين الحضارات و أي حوار تتعدد انتماءات أطرافه. و نعتقد أن توافر هذه المقومات و المتطلبات يمكن أن يكون كافيا لبدء و استمرار الحوار. وقد يشار الى وجود مقومات اخرى من مثل احترام التعددية و الندية ومرونة اطراف الحوار و الاعتراف بالاخر...الخ، بيد أن هذه العناصر و إن كانت فعلا ضرورية لتفعيل عملية الحوار و تشجيعها و تعزيز فرص نجاحها الا أن من المؤكد أن الحوار يمكن أن يبدأ و يستمر و قد ينجح في بعض الحالات بدون بعضها( المرونة مثلا) بينما أن بعضها ( احترام التعددية مثلا) متضمنة نوعا ما في بعض المقومات الاساسية المذكورة ( الايمان بالحوار مع الآخر مثلا) و البعض الآخر ( الاعتراف بالاخر مثلا) يمكن أن يتحقق اثناء الحوار او نتيجة له.

وقد يذهب البعض الى اعتبار بعض الأمور متطلبات لابد منها لبدء الحوار مثل ما درج عليه البعض من مطالبة المسيحيين بالاعتراف بدين الاسلام او التوقف عن التنصير او الاعتذار عن حروب الصليبية قبل أن يتسنى بدء حوار الاديان بين الاسلام و المسيحية، و مطالبة المعارضة المسلحة بوضع السلاح قبل بدء الحوار معها، و مطالبة المحتل بالرحيل قبل بدء الحوار، و مطالبة من يسمى بالارهابي او المارق بالتخلي عن العنف او المروق قبل بدء الحوار معه . ولعل بعض مثل هذه المطالبات مفهومة كتكتيك حواري الا أن الإصرار على مثل هذه المطالبات إصرارا يتسبب في منع الحوار كليا يحولها الى شروط مسبقة غير مبررة.

شبهات حول حوار الحضارات:

ما تمهد عن اهمية حوار الحضارات يتطلب من دعاة وحواريي حوار الحضارات التضامن و العمل بجد، كل في المجال الذي يليه، على تكريس وتعزيز عملية حوار الحضارات من خلال جهود منظمة و – ما امكن- مؤسسة و برامج مدروسة. و نعتقد أن من خير ما يمكن أن يخدم به المثقفون و المفكرون قضية حوار الحضارات هو- اولا- العمل على بلورة و تأصيل و نشر و ترسيخ ثقافة الحوار والتي من شأنها أن تعزز مقومات الحوار و – ثانيا- تقديم قدوة عملية مشرقة في الالتزام بالحوار عمليا في تفاعلاتهم العامة و الخاصة.

و من الطبيعي أن تواجه حركة الحوار و جهود نشر ثقافة الحوار بعض التساؤلات و احيانا الشبهات التي تثار هنا او هناك مما يحتم العمل على معالجتها بالبحث الموضوعي و تقديم التوضيح اللازم. و بهذا الصدد يلاحظ تردد بعض الشبهات و التساؤلات عن حوار الحضارات في داخل المجموعة الحضارية العربية- الاسلامية . وحيث أن من شأن انتشار هذه الشبهات أن يوهن مقومات الحوار و يصد نشر ثقافة الحوار مما يتسبب في اعاقة تقدم المجوعة في مسار حوار الحضارات ، يتعين على المثقفين في العالم العربي- الاسلامي العمل على معالجة تلك الشبهات. و ليس المقام لرصد تلك الشبهات و التساؤلات الا انه يمكن تناول بعضها في مايلي:

شبهة "حوار الحضارات غير ممكن عمليا":

وقد سبق ايجاز المقولات التي تستند اليها هذه الشبهة و الرد عليها

شبهة "الحوار بين الحضارات خدعة امريكية/عربية":

لعل المقصود بذلك هو القول بأن الولايات المتحدة الامريكية، وربما اوربا الغربية ايضا ، قد لجأت لفكرة الحوار بين الحضارات كوسيلة من وسائل تحقيق أطماعها المتصلة بالهيمنة والاستغلال . ويمكن تفهم الدوافع وراء مثل هذا الاشتباه في ظل عوامل عدة منها :

- المعطيات التاريخية: تشير بعض المعطيات التاريخية الى أن الدعوة للحوار ارتبطت احيانا بمحاولة الخداع لتحقيق اطماع او اهداف خاصة مرفوضة. و عادة ما تعزى مثل هذه المحاولة للخداع الى أن الطرف المخادع إما فضل تحقيق أطماعه بغير وسيلة القوة لما تنطوي عليه وسيلة القوة من تكلفة عالية و إما اضطر الي محاولة تحقيق تلك الاطماع عن طريق الدعوة الى الحوار لانه قد تعذر فعلا او من المتعذر عليه تحقيقها عن طريق وسيلة القوة . والأمثلة على ذلك عديدة سواء داخل المجموعات الحضارية او في ما بينها. ولم يسلم من ذلك حتي المجموعة الحضارية الاسلامية والتي اشتهر في تاريخها الداخلي ما يروى عن خدعة موقعة صفين. و في التاريخ القريب او الحديث مارست الكثير من القوى حوار المفاوضات او المحادثات السرية لتحقيق اطماع او اهداف معينة سواء ضد بعض الاطراف المتحاورة او- كثيرا- ضد اطراف ثالثة . وربما يكون من اهم الامثلة التي يستحضرها اصحاب هذه الشبهة لجوء الطرف الرأسمالي ( الولايات المتحدة /الغرب) الى حوار المفاوضات كوسيلة فعالة من وسائل هدم او تقويض الطرف او الخصم الشيوعي الروسي. ولجوء إسرائيل وحماتها لدعوة الحوار الاسرائيلي – العربي كوسيلة لتمكين إسرائيل وتحقيق قبولها اقليميا وتحسين صورتها الدولية .

- المعطيات المعاصرة: تشير التصرفات و التوجهات الحالية للولايات المتحدة الامريكية/ الغرب الى أن المحدد او المعيار الاساسي لسياساتها الدولية هو تكريس هيمنتها على العالم . وتعبر الولايات المتحدة عن هذا الهدف علنا تحت مصطلحات او مسميات عدة أخف وقعا على السمع منها "مسئولية او عبء قيادة العالم" و "حفظ مصالح امريكا القومية في العالم". ولا يجد المرء صعوبة في ملاحظة سيطرة هذا المحدد – تكريس الهيمنة- على مواقف الولايات المتحدة في مختلف منتديات واشكال الحوار الجاري بدءا بالمناقشات المتكررة في مجلس الامن الدولي ومرورا بمداولات المؤتمرات الدولية والاقليمية وانتهاء بالمحادثات الثنائية او المتعددة الاطراف التى تشارك فيها او ترعاها.

واذا كانت مجمل المعطيات السابقة توضح أن الولايات المتحدة/ الغرب قد لجأت في الماضي كما تلجأ حاليا الى توظيف مختلف اشكال الحوار ومنتدياته لتحقيق هيمنتها ومصالحها في المقام الاول فان من الطبيعي أن يثور التوقع بان لا يختلف موقف الولايات المتحدة/ الغرب من الحوار بين الحضارات عن موقفها المعهود من الحوارات الاخرى والمتمثل في توظيفها لتحقيق وتكريس هيمنتها الدولية. و بقدر ما يصح مثل هذا التوقع يصح القول بان منطلق الولايات المتحدة/ الغرب في ما يتعلق بحوار الحضارات هو استغلاله لخداع الآخرين او بعضهم لقبول او تمرير بعض اطماعها الخاصة ربما تحت زعم او من خلال الإيهام بانها من المصالح المشتركة او الدولية.

ومع أن من الواضح أن لشبهة الخدعة مبرراتها الا أن هذه الشبهة- حتى ولو ثبتت صحتها- لا تبرر رفض حوار الحضارات لاسباب منها:

1- ليس المعني بحوار الحضارات الحوار مع المجوعة الحضارية الغربية فقط فهناك مجموعات حضارية اخرى يتعين على الحضارة العربية- الاسلامية الاهتمام بالتواصل معها و عدم اغفال الحوار معها. و من ِشان نجاح الحوار مع المجوعات الحضارية الاخرى أن يساعد على دفع المجموعة الحضارية الغربية ايضا لقبول حوار الحضارات و تعديل موقفها تجاهه

2- أن اعتبار دول الغرب كلها تقف موقف المخادع او الرفض من حوار الحضارات تعميم مخل. ففي الغرب، كما في الشرق، دعاة لحوار الحضارات و مناهضين له ويمكن أن يمضي الحوار مع المجموعة الحضارية الغربية مع قواها الراغبة في الحوار الصادق حتى وان كانت هذه القوى هي الأضعف. و ليس من المستبعد – وفقا للنظام الاجتماعي و السياسي الغربي - استثمار فرص الحوار مع القوى المذكورة لمحاولة التاثير في القوى الاخرى بما فيها القوى الرسمية في المجموعة الحضارية الغربية.

3- لو ثبت، جدلا، أن الولايات المتحدة/ الغرب كلها تتخذ الحوار بين الحضارات مجرد خدعة فان امكانية نجاحها فعلا في خداع اطراف الحوار لا تعدو أن تكون مجرد احتمال . ولا ينبغي التخلي عن امور او مهام عظيمة الفائدة و تمس حاجتنا اليها كالحوار بين الحضارات لمجرد احتمال او خوف الخدعة لان مثل هذا التخوف يمكن ان يرد في سائر التفاعلات الدولية الايجابية ، و لا يخفى خطأ و خطورة التوقف عن سائر التفاعلات الدولية الايجابية لما تنطوي عليه من احتمالات الخدعة . وقد نبهنا القرآن الكريم الى ضرورة عدم الوقوع في مثل هذا الخطأ عندما امر بالمضي قدما في الحوار و المساعي السلمية الدولية مع الآخر حتى ولو كان معاديا مع إقرار القرآن بان ذلك قد ينطوي على احتمال الخدعة " وان جنحوا للسلم فاجنح لها و توكل على الله انه هو السميع العليم وان يريدوا أن يخدعوك فان حسبك الله." وهكذا يعلمنا القرآن بوضوح ان احتمال الخدعة لا يكفي ولا يبرر التخلي كليا عن الحوار و المساعي السلمية مع الآخر حتى و لو كان غير مسلم.

4- رفض حوار الحضارات، وكل حوار مع الاخر بالضرورة، لمجرد خوف الخدعة لا تقل ، أن لم تكن تزيد، مساوئه عن مساوئ تبني الحوار او قبوله . فرفض الحوار يشوه سمعة الرافضين، ويقلل من فرص التعاون، ويقضي على احتمالات الحل السلمي للاختلافات والنزاعات، و يحول دون التعريف بالذات و بدينها و ثقافتها على الوجه الاكمل و، بالتالي، يدفع بالعلاقات اكثر نحو الحرب والصراع والصدام وهو ما يقوم اساسا على الخدعة . وهكذا يبدو الامر و كأنه ليس اكثر من استبدال خدعة محتملة بخدعة محتملة, و تفضيل خيار- الصدام والحرب- لم نعد له عدته بعد على خيار- الحوار- نملك فيه أسباب القوة.

5- حوار الحضارات اقل انواع واشكال الحوارات قابلية لتحقق الخدعة فيه بحكم أن الأصل فيه انه حوار شامل و شعبي اكثر مما هو رسمي وبالتالي فهو بالضرورة حوار علني ومفتوح. و من المؤكد أن من شأن تنبه الاطراف الى امكان محاولة البعض استغلال حوار الحضارات للخداع أن يقلل من امكانية نجاح او تمرير مثل تلك المحاولة

6- رفض حوار الحضارات لمجرد خوف الخدعة فيه تقليل للذات وينم عن روح الانهزامية وضعف الثقة في النفس وفي ايديولوجيتنا الحضارية و قدراتنا على الحوار .

7- و لعل من المهم هنا أن نتساءل هل نخلو نحن – المجموعة الحضارية الاسلامية- تماما من النوايا غير السليمة، بما فيها نية الخداع والمكر و ربما الغدر ، في تفاعلاتنا بما فيها التفاعلات الحوارية مع الغرب ؟؟ وإن كانت الاجابة الأرجح هي النفي (كتب احدهم عن حوار الحضارات موحيا أن على المسلمين أن يتفاعلوا مع الغرب بذات أساليب المكر و الحيل و التخطيط و الاختراق التي تفاعل بها اليهود مع الغرب حتى تمكنوا من السيطرة على مفاصلها الاساسية) هل يبدو مقبولا منطقيا رفض الحوار مع طرف بدعوى صفة نشاركهم فيها؟؟

شبهة "الطرف الاخر لا يريد الحوار بين الحضارات":

يبدو أن المعني بذلك هو أن الولايات المتحدة / الغرب غير راغبة في الحوار بين الحضارات بشروطه و متطلباته، مثل التكافؤ والندية في الحوار – وما يستدعيه من الاعتراف بالاخر الحضاري - والتسليم بمقررات الحوار، وإن كانت لا تمانع في ، بل وتحرص على، الحوارات الشكلية التي يمكنها التحكم في مقرراتها.

وتجد هذه الشبهة مبرراتها و دوافعها في وقائع عدة من اهمها:

- ضعف استجابة الولايات المتحدة والغرب لمحاولات تفعيل فكرة الحوار بين الحضارات حتى في نطاق تنفيذ مقررات الامم المتحدة الخاصة بالحوار بين الحضارات و التي تضمنت تخصيص عام 2001 عاما للحوار بين الحضارات. وقد بدا هذا الضعف واضحا مما لم يجد معه ممثل الامين العام للامم المتحدة بدا من التصريح به علنا.

- عدم إبداء الولايات المتحدة أي رغبة حقيقية في تحقيق التكافؤ و الندية بينها و بين الدول الاخرى كما يشير الى ذلك - مثلا- حرصها على الإبقاء على وضع التمييز القائم بين الدول في مجلس الامن الدولي.

- ما يسود لدى بعض الاوساط النافذة في الولايات المتحدة والغرب من اعتقاد بان الحضارة الغربية الليبرالية هي نهاية المطاف الحضاري البشري و هي التي ستسود او ينبغي أن تسود العالم وتحل محل كافة الحضارات الاخرى ، بما فيها الحضارة الاسلامية، والتي تعتبر – حسب هذا الاعتقاد – حضارات متخلفة يستحسن زوالها. و يستدعي ذلك ، في تقديرهم ، ليس محاورة هذه الحضارات لان في الحوار معها دعم و احياء لها و انما العمل على تغييرها تمهيدا و دعما لعملية احلال الحضارة الغربية محلها.

- رفض الولايات المتحدة لمقررات واتفاقيات الحوارات او المؤتمرات الدولية التي لم تتمكن من التحكم فيها تماما او املاء وجهة نظرها بخصوصها.

ومن الواضح أن اساس هذه الشبهة هو نفس اساس الشبهة السابقة و هو عدم الرغبة في الحوار و لا تختلف عن الشبهة السابقة الا في اسقاطها او اغفالها ذكر ارادة الخداع . و لذلك تنطبق عليها بعض الردود على الشبهة السابقة . و يمكن أن نضيف هنا القول بان النزوع الى عدم الاعتراف بالحضارات الاخرى وان كان يبدو واضحا وربما طاغيا في الحضارة الغربية/ الامريكية الا أن الحضارات الاخري ، بما فيها الحضارة الاسلامية ، لا تخلو من فئات تحمل ذات النزوع بقدر عدم خلو الحضارة الغربية من توجهات تقر بدور الحضارات الاخري وتعترف لها بالندية والتكافؤ وربما التفوق.

وصحيح أن الاعتراف بالآخر الحضاري ضروري لاستقامة الحوار وتعظيم نتائجه العملية على أن من المؤكد أن الاعتراف بالاخر الحضاري ليس شرطا لبدء الحوار . ومن الاستهانة بالذات و سوء تقدير حضارتنا أن نسلم بانه ليس في الامكان أن ننتزع من الحضارة الغربية الاعتراف بحضارتنا من خلال الحوار . أن التاريخ الاسلامي يعلمنا انه مهما كانت حال الحضارة الاسلامية من الضعف السياسي والعسكري يظل الاسلام محتفظا بقدر كبير من قوة منطقه و جاذبيته الايديولوجية او الحضارية . ولعل ذلك يفسر لنا بعض الحالات النادرة في التاريخ الحضاري البشري من مثل تمكن الحضارة الاسلامية رغم أن مجموعتها كانت منهزمة عسكريا لدرجة الخضوع للاحتلال من أن تدفع الغزاة المحتلين- من التتر - ليس لمجرد الاعتراف بالحضارة الاسلامية و انما ايضا لاعتناق الاسلام وتمثل حضارته.

شبهة" تهديد الحوار الحضاري للخصوصيات" :

بالرغم من تردد لفظ الخصوصية او الخصوصيات كثيرا في الخطاب العربي الاسلامي وخاصة الدفاعي او الاحتجاجي الموجه نحو الاخر الا أن المرء لا يكاد يجد تعريفا او تحديدا لتلك الخصوصيات أو بيانا واضحا لمقتضى ( أحكام) الخصوصية .

وقد يصح القول ، في ما يتعلق بالمفهوم، بان الخصوصية لغة هي ما اختص ( بضم التاء) بها سواء من قبل فرد او مجموعة او نوع من البشر او غيرهم من الكائنات المحسوسة او غير المحسوسة او الموجودات المعنوية كالاديان و الافكار واللغات . و و فقا للاستخدام الشائع ليس بالضرورة أن يكون الاختصاص على سبيل الانفراد بل يتصور الاشتراك فيه وإن كان لا يتصور فيه العمومية لان العمومية تتناقض مع دعوى الخصوصية. وبالنسبة للبشر فان الخصوصية قد تكون خصوصية طبيعية كان تختص سلالة بشرية ما بخصوصية بيولوجية معينة وقد تكون خصوصية اجتماعية او مكتسبة كالخصوصيات السلوكية الاختيارية.

ويتضح مما سبق أن الخصوصية أمر يختلف فيه صاحب او اصحاب الخصوصية عن الغير ولكن هل كل ما هو محل اختلاف يعد خصوصية ؟ يبدو أن الاجابة على هذا السؤال ترتبط بالاجابة على سؤال اخر هو ما مقتضى الخصوصية أي ما هي الأحكام التي تترتب على كون أمر ما يعد خصوصية ؟

يتيح التأمل في الاستخدامات المختلفة للفظ الخصوصية وخاصة الخصوصية الاجتماعية استنتاج بعض المقتضيات او الاحكام الظاهرة ، ومنها :

I. عدم القابلية للانتهاك، بمعنى عدم شرعية محاولة كشف الخصوصيات او الاطلاع عليها بدون اذن صاحبها . ويبدو هذا الحكم ظاهرا في الخصوصيات ذات الطابع الشخصي او السري كاسرار الشخص و حرمة مسكنه و شئونه العائلية الخاصة. ويثور خلاف فكري و قانوني حول ما يعد و ما لا يعد خصوصية بهذا المقتضى و خاصة من منظور المصلحة العامة.

II. مشروعية الإتيان او الترك، بمعنى أن لصاحب ما يعد خصوصية أن يعتقد او لا يعتقد فيها وان يفعلها او لا يفعلها ومن ذلك المعتقدات و الشعائر الدينية . ويثور هنا ايضا خلاف فكري و قانوني اوسع في ما يعد او لا يعد خصوصية بهذا المقتضى.

ويمكن القول في ضوء ما تمهد أنه :

I. ليس كل ما هو محل اختلاف يعد خصوصية ويوضح لنا ذلك خطأ توسع البعض في استخدام وصف الخصوصيات للدفاع عن كل سلوك يكون محل انتقاد كما هو الحال مثلا في السجال الدائر حول بعض حقوق الانسان .

II. ليس هناك ما يستلزم القول بثبات الخصوصيات بالضرورة لانها- اولا- امور مستحدثة وكل ما هو حادث او مستحدث يمكن أن يزول ولان – ثانيا- تقرير الخصوصيات يخضع للتقدير العقلي و العرف الاجتماعي وكلا هما غير ثابتين. ولا يقدح في القول بان الخصوصيات ليست ثابتة بالضرورة أن بعضها ذات مصدر او طبيعة دينية لان الكثير من احكام الشرع الاجتماعية قابلة للتغير مع تغير الزمان والمكان و مع تغير او تطور الفهم البشري لتلك الأحكام و مواضيعها.

III. لا تسلم خصوصيات المجتمعات من نقاش حول بعضها داخل تلك المجتمعات بين فئات تتمسك بإستمراريتها وفئات تطالب بالتخلي عنها او استبدالها.

و اذا كانت الخصوصيات غير ثابتة بالضرورة وكثيرا ما تكون استمرارية بعضها محل نقاش وجدال داخل المجتمعات التي تتبناها لا يعد هناك مبرر عقلي للقول بان احتمال تطرق الحوار بين الحضارات لمناقشة تلك الخصوصيات يشكل تهديدا لها. ولعل الأولى القول بان من شأن الحوار الحضاري حول الخصوصيات أن يشكل اثراء للحوار الداخلي حول ذات الخصوصيات. وحيث ان الحوار، سواء الداخلي او الحضاري، لا يلزم منه الا ما تم الاقتناع به فيلزم لزوما ادبيا او ما تم الاتفاق عليه فيلزم لزوما قانونيا كما يفترض فيه احترام الرأي الآخر والتعددية، ليس من المنطق رفض أن تصبح أي خصوصية محل حوار موضوعي جاد . واذا كان من الخطأ البين التمسك بأي خصوصية اقتنع اهلها بعدم صلاحيتها ينبغي أن لا يثير زوالها او احتمال زوالها الخوف او التباكي على الخصوصيات. ويقينا ليس في ذلك ما يشكل – كما قد يبدو للبعض- خطرا على ما قد يعتبر من الخصوصيات الدينية الاسلامية اذ ليس في ما صح من احكام الاسلام ما ثبت تعارضه مع العقل او يخاف عليه من الحوار الموضوعي . فالخطاب الشرعي الاسلامي يخاطب اساسا العقل البشري ولا يمكن أن يخاطبه بما يتعارض معه حقيقة وان كان قد يتضمن ما قد يستغلق او يصعب عليه احيانا فهمه فهما صحيحا كاملا وليس من المنطق اعتبار كل ما صعب فهمه على العقل متعارضا معه.

شبهة" اولوية الحوار الداخلي":

اذا كان المقصود بهذا القول هو التأكيد على ضرورة الحوار بين مختلف الجماعات والطوائف والاتجاهات القائمة داخل كل مجموعة حضارية فذلك حق لعله لا خلاف عليه، اما اذا كان المعني به هو طلب صرف النظر عن حوار الحضارات بحجة ضرورة البدء بالحوار الداخلي او استكماله فان ذلك لا يبدو مقبولا.

لقد تأسست المجموعة الحضارية الاسلامية منذ البدء على الحوار لان مرجعيتها – الخطاب الشرعي- مرجعية قائمة على الحوار و لان مؤسسها- الرسول صلىالله عليه وسلم- ظل يلتزم بالحوار داخليا و خارجيا . والتزاما بالشرع واهتداء برسولهم درج المسلمون على أن يحاور بعضهم البعض ويحاورا غيرهم ممن شملتهم المجموعة الحضارية الاسلامية من اليهود والنصارى والمجوس . و سجل لنا التراث كيف ازدهرت حلقات الحوار بين مختلف فئات ومذاهب المسلمين وبينهم وبين غير المسلمين وكيف توسع الاهتمام بالعلوم ذات الصلة بالحوار كعلوم المنطق و المناظرة وكيف شاع التأليف الحواري (الحوار من خلال الرسائل العلمية والكتب التي تناقش بعضها البعض).

وصحيح أن المجموعة الحضارية الاسلامية استبدلت احيانا بالحوار الاحتراب حيث قامت بين بعض فئاتها حروب داخلية طاحنة مؤسفة بيد أن ذلك لا ينفي حقيقة انها كانت تمارس الحوار الداخلي وتفضله عموما على الاحتراب حتى انه احيانا كان انطلاق الدعوة للحوار في ساحات المعركة توقفها بعد أن يكون قد اشتد القتال ( صفين) واحيانا كان الحوار يحول دون بدء القتال بعد أن تأهبت له الفئات المتصارعة ( صلح الحسن ومعاوية) واحيانا اخرى كان المقاتلون من الجانبين يلتقون ويتحاورون فتتكشف لهم الحقائق فيكفون عن قتال بعضهم البعض( حروب الردة).

و ما زالت المجموعة الحضارية الاسلامية مبتلاة بالحروب المسلحة الداخلية و الاهلية واعمال العنف والحروب الكلامية ولكنها ايضا تتحاور و تشهد توجها متزايدا لتأطير الحوار و مأسسته سواء على مستوى العالم الاسلامي كله ( منظمة المؤتمر الاسلامي) او بعض اقاليمه ( الجامعة العربية) او على المستوى الثنائي ( اللجان الوزارية المشتركة) او على المستوى القطري ( البرلمانات و لجان الحوار الوطنية ) او على مستوى بعض مذاهبه ( لجنة التقريب بين الشيعة والسنة) واتجاهاته ( الحوار القومي – الاسلامي)

اذن الحوار الداخلي قائم أصلا داخل المجموعة الحضارية الاسلامية . وبالتأكيد هتاك الكثير مما يتعين عمله لتكريس وتجذير هذا الحوار الداخلي و ماسسته و تفعيله

والقول بتأجيل الحوار بين الحضارات حتي يتم تعزيز الحوار الداخلي أولا، لا نعلم له مبررا او مسوغا كافيا و هو في ما يبدو لنا ليس القول الاصوب لاعتبارات عدة منها:

I. فيه اغفال لحقيقة أن العلاقة بين الحوار الداخلي والحوار الخارجي ( الحضاري) ليست علاقة احادية الاتجاه تبدأ من الحوار الداخلي و تنتهي عند الحوار الخارجي بل هي علاقة ثنائية الاتجاه يتبادل بموجبها الحواران الداخلي والخارجي التأثير المضطرد سلبا و ايجابا أي انه كما أن تعزيز الحوار الداخلي من شأنه أن يساعد في تعزيز الحوار الخارجي فان من شأن تعزيز الحوار الخارجي أن يساعد في تعزيز الحوار الداخلي. ويعني ذلك أن ذات السبب او الهدف الذي من اجله قد يرى البعض تأجيل الحوار بين الحضارات يستدعي في الحقيقة تعجيله او على الاقل عدم تأجيله .

II. القول بتأجيل الحوار بين الحضارات يقتضي الكف على مدى فترة التأجيل عن محاولة المعالجة السلمية لاسباب الصراع بين المجموعات الحضارية بينما يجدّ البعض حاليا لتأجيج هذه الاسباب استدعاء و تعجيلا للصدام بين هذه المجموعات . ورفض الكف عن او تأجيل معالجة اسباب الصراع بين المجموعات الحضارية يستلزم رفض فكرة تأجيل الحوار بين الحضارات لانه لا يتصور مثل هذه المعالجة بدون الحوار بين الحضارات.

III. تتطلب فكرة تأجيل الحوار بين الحضارات تحديد المستوى الذي يتعين أن يبلغه الحوار الداخلي لكي يبدأ حوار الحضارات لانه بدون مثل هذا التحديد لا يؤمن أن يتحول التأجيل الى الغاء كلي. و لاشك أن مثل هذا التحديد سيكون امرا مثيرا للخلاف . والذين قد يحلمون بتحديد مثل هذا المستوى بانتهاء او زوال الحروب الداخلية او الاقتتال المسلح الداخلي كليا و نهائيا يتطلعون الى مثالية ربما لن تتحقق اما الذين قد يحلمون بتحديد هذا المستوى بزوال الاختلافات بين جماعات او افراد المجموعة الحضارية الاسلامية فنحسبهم قد اخطأوا الصواب لان الاختلاف بين البشر بما فيهم المسلمون، كما يؤكد الشرع، سنة ماضية.

و لما سبق فإن الخيار الأنسب ليس هو فقط أن يتم الحوار بين الحضارات جنبا الى جنب مع الحوار الداخلي بل يتعين أن يتم التنسيق بينهما ويوظف كل منهما لتعزيز الآخر .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
mokdad
المدير العام
المدير العام
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1806
العمر : 56

البلــــــــد :
السٌّمعَة : 6
نقاط : 17775
تاريخ التسجيل : 10/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: حوار الحضارات: المفهوم و المقومات   السبت 7 أبريل 2012 - 0:03

مشكور على اسهاماتك و دمت وفيا ننتظر جديدك دوماً

_________________
_________________



إمضاء :
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://negrine.montadarabi.com
محمد قادري
ع.ج
ع.ج


ذكر عدد الرسائل : 4
العمر : 28
المزاج : مولع بالعلم

البلــــــــد :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 5829
تاريخ التسجيل : 08/10/2014

مُساهمةموضوع: رد: حوار الحضارات: المفهوم و المقومات   الأربعاء 8 أكتوبر 2014 - 20:56

مشكور على الاثراء ونرجوا دوما الى الافضل............ cheers
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد قادري
ع.ج
ع.ج


ذكر عدد الرسائل : 4
العمر : 28
المزاج : مولع بالعلم

البلــــــــد :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 5829
تاريخ التسجيل : 08/10/2014

مُساهمةموضوع: رد: حوار الحضارات: المفهوم و المقومات   الأربعاء 8 أكتوبر 2014 - 20:59

اشكرا المدير العام لهذا المنتدى الذي اعطاني الفرصة ان التحق بجميع الاعضاء ولكم الشكر الخالص من اعماق قلبي ونشكر جميع الاعضاء على المساهمات الطيبة *** جعلها الله في ميزان الحسنات cheers
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حوار الحضارات: المفهوم و المقومات
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى نقرين الحضارة و التاريخ  :: المنتدى العــــــــام :: وجهات نظـــــــــر-
انتقل الى: